الأحد 8 مارس 2026 | 09:19 م

لواء زغلول يكتب :قراءة في رسائل الصمود الخليجي في زمن العواصف الإقليمية


بقلم لواء د. أحمد زغلول مهران
المشرف العام على مركز رع للدراسات الاستراتيجية

اثناء الأزمات الكبرى لا تُقاس الكلمات بعدد حروفها بل بوزنها السياسي والرمزي فالكلمة الصادرة عن قائد في وقفه تاريخية قد تتحول إلى رسالة استراتيجية تتجاوز حدود الحدث المباشر لتصبح تعبيراً عن رؤية دولة بل وربما عن توجه إقليمي كامل وفي هذا السياق جاءت المقولة التي أطلقها الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة أثناء زيارته لعدد من المصابين جراء الأحداث الجارية في منطقة الخليج حين قال :

“جلدنا غليظ •• ولحمنا مُرّ لا يُؤكل"

هذه العبارة البسيطة في ظاهرها تحمل في عمقها معاني سياسية وأمنية وثقافية كبيرة وتعكس فلسفة الصمود التي باتت تحكم سلوك دول الخليج العربي في مواجهة عاصفة إقليمية معقدة تشهدها المنطقة في ظل تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب الأمريكية - الإسرائيلية على إيران .

أولاً : الكلمة التي تختصر فلسفة الصمود

العبارة التي استخدمها الشيخ محمد بن زايد ليست مجرد تعبير بلاغي بل هي استعارة سياسية عميقة "جلدنا غليظ” تعني القدرة على التحمّل والصبر أمام الضغوط بينما “لحمنا مُرّ لا يُؤكل” تحمل رسالة ردع واضحة مفادها أن المنطقة ليست ساحة سهلة للاستباحة وأن شعوبها ودولها قادرة على الصمود مهما اشتدت التحديات هذه الرسالة تحمل بعدين أساسيين هما :
      ١- بُعد نفسي ومعنوي يطمئن الشعب الاماراتى والعربى بأن الدول قادرة على حماية أمنها واستقرارها .
      ٢- بُعد ردعى يوجّه رسالة إلى القوى الإقليمية والدولية بأن أمن الخليج ليس ساحة مفتوحة للمغامرات العسكرية .

فالقوة في العلاقات الدولية لا تُقاس فقط بالقدرات العسكرية بل أيضاً بقدرة الدول على إرسال رسائل سياسية واضحة في توقيتات دقيقة .

ثانياً : الخليج في قلب العاصفة الجيوسياسية

تشهد منطقة الخليج اليوم واحدة من أكثر الأوقات توتراً في تاريخها الحديث نتيجة تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى هذه المواجهة لم تعد مجرد صراع سياسي أو عقوبات اقتصادية بل أخذت أبعاداً عسكرية واستخباراتية متعددة تشمل الاتى :
      ١- ضربات عسكرية محدودة ومباشرة .
      ٢- حرباً سيبرانية متبادلة .
      ٣- عمليات استخباراتية واستهدافات نوعية .
    ٤- تصعيداً بحرياً في الممرات الاستراتيجية .

وفي قلب هذه المعادلة يقع الخليج العربي الذي يمثل أحد أهم المراكز الجيوسياسية في العالم ليس فقط بسبب موقعه بل أيضاً لكونه شريان الطاقة العالمي فمن خلال مضيق هرمز يمر ما يقارب ثلث تجارة النفط العالمية المنقولة بحراً ما يجعل أي توتر عسكري في هذه المنطقة قادراً على إحداث اضطرابات اقتصادية عالمية .

ثالثاً : الخليج بين الردع والحكمة

رغم خطورة المشهد الإقليمي فإن دول الخليج وعلى رأسها الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية تسعى إلى إدارة الأزمة وفق معادلة دقيقة تجمع بين الردع العسكري والحكمة السياسية فمن ناحية تعمل هذه الدول على تعزيز قدراتها الدفاعية والأمنية لحماية أراضيها ومنشآتها الحيوية خاصة في ظل التهديدات المرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيّرة ومن ناحية أخرى تحرص على عدم الانزلاق إلى مواجهة إقليمية شاملة قد تجر المنطقة إلى حرب مدمرة لا رابح فيها ان هذه السياسة يمكن وصفها بأنها استراتيجية التوازن بين الصلابة والانفتاح :
      - صلابة في الدفاع عن الوطن .
      - انفتاح على الحلول الدبلوماسية لخفض التصعيد .

رابعاً : الرسالة الأعمق للمقولة

حين يقول قائد بحجم الشيخ محمد بن زايد إن “جلدنا غليظ ولحمنا مُرّ لا يُؤكل” فإنه لا يتحدث فقط عن دولة بعينها بل يعبّر عن وعي عربي متنامٍ بطبيعة المرحلة فالمنطقة العربية تمر بمرحلة إعادة تشكل استراتيجي حيث تتقاطع فيها عدة عوامل على النحو التالى :
      ١- صراع القوى الكبرى على النفوذ .
      ٢- التحولات في النظام الدولي .
      ٣- التنافس على الطاقة والممرات البحرية .
      ٤- بروز التكنولوجيا العسكرية والذكاء الاصطناعي كعامل حاسم في الصراعات الحديثة .

وفي ظل هذه التحولات لم يعد ممكناً للدول أن تعتمد فقط على الحماية الخارجية بل أصبح لزاماً عليها بناء قدرات ذاتية شاملة في مجالات الأمن والاقتصاد والتكنولوجيا .

خامساً : انعكاسات الأزمة على الأمن القومي العربي

الأحداث الجارية في الخليج لا تمس دول الخليج وحدها بل تمتد آثارها إلى مجمل المنطقه العربيه بما في ذلك مصر التي ترتبط بأمن الخليج ارتباطاً استراتيجياً عميقاً فاستقرار الخليج يعني الاتى :
      ١- استقرار أسواق الطاقة .
      ٢- استقرار حركة التجارة العالمية .
      ٣- استقرار ممرات الملاحة البحرية التي تمر عبر البحر الأحمر وقناة قناة السويس .

ومن هنا فإن أي تصعيد كبير في الخليج ستكون له انعكاسات مباشرة على الأمن القومي العربي وعلى الاقتصاد العالمي بأسره .

سادساً : دروس المرحلة

من خلال قراءة هذه المواقف التاريخية يمكن استخلاص عدة دروس استراتيجية هى :

  ١- أن الصراعات الحديثة لم تعد تُدار فقط بالجيوش بل بالمعلومات والتكنولوجيا والاقتصاد .

  ٢- أن قوة الدول في عصر العولمة تعتمد على قدرتها وعلى بناء تحالفات متوازنة دون فقدان استقلال قرارها الوطني .

  ٣- أن الاستقرار الإقليمي أصبح مصلحة مشتركة للجميع لأن أي حرب  في الخليج ستؤدي إلى تداعيات يصعب احتواؤها .

في نهاية •• تبقى عبارة الشيخ محمد بن زايد أكثر من مجرد جملة قيلت اثناء التضامن مع المصابين بل إنها رسالة سياسية مختصرة بلغة التراث العربى تعكس روح الصمود والإصرار على حماية الاستقرار في منطقة تتعرض لواحدة من أعقد الأزمات في تاريخها المعاصر فحين يقول قائد عربي إن جلدنا غليظ ولحمنا مُرّ لا يُؤكل فإنه يعلن ببساطة أن هذه المنطقة رغم كل ما تمر به من عواصف ما زالت قادرة على الوقوف بثبات أمام محاولات زعزعة استقرارها وربما يكون المعنى الأعمق لهذه العبارة أن قوة الشعوب لا تكمن فقط في السلاح بل في الإرادة وأن المنطقة العربية رغم ما مرت به من أزمات ما زالت تمتلك من الصبر والصلابة ما يجعلها قادرة على عبور أصعب الازمات في تاريخها الحديث .

استطلاع راى

هل تعتقد أن الربط بين المناهج وسوق العمل الذي تناقشه لجان البرلمان حالياً سيمثل حلًا جذريًا لأزمة البطالة؟

نعم
لا

اسعار اليوم

الذهب عيار 21 6755 جنيهًا
سعر الدولار 47.24 جنيهًا
سعر الريال 12.64 جنيهًا
Slider Image